#1  
قديم 12-25-2009, 03:21 AM
الصورة الرمزية محمد السلفي_1
محمد السلفي_1 محمد السلفي_1 غير متواجد حالياً
( مؤسس شبكة صوفية حضرموت - اللهم بلغة منازل الشهداء )
 
تاريخ التسجيل: Mar 2009
الدولة: تــريـــم المقــدسة
المشاركات: 10,093
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى محمد السلفي_1
نجمة نشأة الصوفية ودورها في نشر القبورية في اليمن / للشيخ أحمد المعلم ..!!


نشأة الصوفية ودورها في نشر القبورية في اليمن
للشيخ أحمد المعلم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه .. وبعد :

يقول الشيخ الفاضل أحمد المعلم في كتابة الرائع القبورية ص 274 - 282 مانصة :

نشأة الصوفية ودورها في نشر القبورية في اليمن ..!!

وفيه ثلاثة مطالب :

المطلب الأول: نشأة الصوفية في اليمن:
سبق تعريف الصوفية والتفريق بين الزهد الذي دعا إليه الإسلام وبين التصوف المنحرف، والإيضاح بأن كلامنا إنما هو منصب على التصوف الفلسفي المنحرف، سواء شَعَرَ المتصوفة القائمون به بأصل ذلك التصوف وعرفوا مصادره أم أخذوه تقليداً وثقة بمن قبلهم، فالانحراف هو الانحراف إن أتى على يد خبيث ماكر أو على يد صالح مغفل، وأما الأشخاص أنفسهم وما هي مقاصدهم ونواياهم فذاك شيء مرده إلى الله تبارك وتعالى وليس إلينا، إذا عرفنا هذا التذكير حق لنا أن نشرع في رصد مبدأ هذا التصوف المنحرف ونشأته.

روّاد التصوف في اليمن:

لعل حضرموت كانت هي الرائدة في جلب واستيراد التصوف، فقد ذكر مؤرخو حضرموت أن أول من عرف بالتصوف فيها هو " عبدالله بن أحمد بن عيسى المهاجر إلى الله " حيث ذكر الشاطري في " أدوار التاريخ الحضرمي " أن من شيوخه أبا طالب المكي، فقد تلقى عنه علم التصوف، وقرأ عليه كتابه "قوت القلوب " ذلك الكتاب الشهير في فن التصوف.وذلك لما حج سنة (377 هـ) [1] غير أن هذا الرجل لم يكن له أثر يذكر في نشر التصوف في حضرموت، كما سيأتي عند حديثنا عن الفقيه المقدم، وهذا كما نرى من رجال القرن الرابع.
وفي القرن الخامس:يطالعنا اسم الصوفي "سود بن الكميت" المتوفى (436 هـ) حيث ترجمه الشرجي في "طبقات الخواص "،وذكر قصة تحوله إلى التصوف، وأنه كان له أصحاب ومريدون، وأنه كان يجلس معهم في المسجد ويأكل وينام معهم فيه [2]،وهو أشهر من عرف بالتصوف أو من أشهرهم في هذا القرن،مع وجود آخرين أشار إليهم السيد عبدالله الحبشي ولم يبين أسماءهم وذكر أنهم من المناطق المحاذية لتهامة ومن مدينة تعز[3].
وفي القرن السادس: اشتهر الصوفي أحمد بن أبي الخير الصياد المتوفى سنة (579 هـ) وقد كان رجلاً عادياً من عوام مدينة زبيد، وعلى أثر رؤيا رآها تحول إلى التصوف، وصحب الشيخ إبراهيم الفشلي الآتي ذكره في القرن السابع، قال الشرجي بعد ذكر الرؤيا ( ومنذ ذلك الوقت أخذ يترقى في درجات التصوف) [4].
قلت: ثم اشتهر أمره، وتجمع حوله المريدون وسجلت له الكرامات،ونقلت عنه أقوال ذات قيمة عند أهل التصوف [5]. والملاحظ أنه في هذا القرن بدأت تتكون جماعات التصوف ويلتفّ المريدون حول شيوخهم لا لطلب العلم ولكن لأخذ الفيوضات والبركات وسلوك ذلك الطريق المبتدع، وليس هذا خاصاً بالصياد وحده بل قبله كان لشيخه إبراهيم الفشلي، الذي سيأتي الحديث عنه في القرن السابع.
القرن السابع: هذا القرن هو في الحقيقة قرن التصوف ففيه نبتت وترعرعت البذور التي بذرت في القرون الماضية وشهد تحولات كبيرة منها:
1)دخول مدرسة ابن عربي - مدرسة وحدة الوجود - إلى اليمن وكان ذلك على يد رجل غامض مشبوه يقال له "المقدسي"، لا يعرف اسمه الحقيقي ولا شيء من ترجمته [6]؛ وذلك لشدة حنق الفقهاء وأهل العلم عليه وهجره، بل ومحاولة قتله في قصة طويلة عجيبة تدخّل على إثرها السلطان وزجر الفقهاء وتوعدهم أشد الوعيد إن هم تعرضوا له ولأصحابه [7]، ولكن هذا الرجل لم يمت إلا وقد غرس تلك النبتة الخبيثة في اليمن، وقد قرر العلامة الأهدل أنه أول من قدم بكتب ابن عربي إلى اليمن. [8]
كما ظهر هذا القول كذلك في هذا القرن لدى أبي الغيث بن جميل الملقب شمس الشموس المتوفى سنة (651هـ) وألَّف في ذلك كتاباً [9]، ولدى معاصره أحمد بن علوان وله في ذلك عدة كتب منها:" البحر المشكل الغريب " و" الفتوح المصونة والأسرار المخزونة " و" التوحيد الأعظم [10]".
وقد ذكر مترجمو الرجلين أن لهما مكاتبة تشهد بمدى ما وصلا إليه من التبجح والدعوى التي عرف بها أهل تلك النحلة، قال الشرحبي في ترجمة أبي الغيث ( وكتب إليه الشيخ أحمد المذكور " ابن علوان " مرة من بلده كتاباً يقول فيه: أما بعـد. فإني أخبرك أني:

جزت الصفوف إلى الحروف إلى الهجا حتى انتهيت مراتب الإبداع
لا باسـم ليلى أستـعين على السـرى كــــلا ولا لبُنى تقل شــــراعي

فأجابه الشيخ أبو الغيث بكتاب يقول فيه: من الفقير إلى الله تعالى أبي الغيث بن جميل غَذِيِّ نعمة الله تعالى في محل الحضرة، أما بعد فإني أخبرك أني:
(2) تجلـَّى ليَ الاسم القديم باسمه فاشتُقَّــتِ الأسماء من أسمائي

وحبانيَ الملك المهيمن وارتضى فالأرض أرضي والسماء سمائي. [11]

قال الحبشي ( وبهذين الرجلين – أبي الغيث وابن علوان – قامت مدرسة الفلسفة الصوفية في اليمن، إلا أن قربهما المباشر من عصر ابن عربي لم يجعلهما يستفيدان من كتاباته الخاصة، وإنما كان ذلك من خلال المشرب الذوقي الذي عُرِفتْ به تعاليم هذه المدرسة، وهم ينهلون جميعاً من الاتجاه الذي سار عليه أسلافهم من دعواهم في الحب والقرب وغيره من إشارات الصوفية)[12].
2) في هذا القرن دخلت الطرق الصوفية من الخارج، ونشأت الطرق الصوفية المحلية،وإليك لمحة عن أهم الطرق الصوفية التي عرفتها اليمن في هذا القرن في المطلب التالي.
المطلب الثاني: أهم الطرق الصوفية التي عرفتها اليمن:

الطرق الوافدة:

1) الطريقة القادرية : وهي أول وأشهر الطرق الصوفية في اليمن، وقد أعاد الحبشي أول لقاء لليمنيين بهذه الطريقة وشيخها إلى سنة (561 هـ)، وهي سنة وفاة الشيخ الجيلاني - رحمه الله - حيث لقيه اثنان من اليمنيين في موسم الحج، وهما الشيخ " علي بن عبدالرحمن الحداد " والشيخ "عبدالله الأسدي "، أما الأول فالتقى به صدفة عند الكعبة، وأما الثاني فقد سافر خصيصاً للقاء الشيخ عبدالقادر عندما علم بأنه ناوٍٍ على الحج تلك السنة، فالتقى به في عرفات. ولم يوضّح ما هو دور الرجلين في نشر الطريقة القادرية في اليمن؟ولكن من بين من ذكر أنهم أخذوا الطريقة القادرية من صوفية اليمن "أحمد بن أبي الجعد "ووفاته ببضع وسبعين وسبعمائة [13]،(وأبو بكر بن محمد بن أبي حربه) وفاته (794هـ) [14] وبهذا نقطع أن هذه الطريقة دخلت اليمن في القرن السابع وربما قبله بقليل.

2) الطريقة المَدْيَنِيَّة: المنسوبة إلى الصوفي المغربي الشهير "شعيب أبي مدين التلمساني"، وهذا الصوفي قد صدّر طريقته إلى اليمن عن طريق مكة عبر تلميذه عبدالرحمن المقعد، ولكن المقعد مات في الطريق فوكل إيصالها إلى رجلٍ آخر هو "عبدالله الصالح المغربي" الذي وصل إلى تريم،وإلى من سماه أبو مدين ووصفه الفقيه المقدم- محمد بن علي باعلوي- المتوفى سنة (653 هـ)، فدخل خلسة إليه وهو في حلقة شيخه الفقيه "علي بن محمد بامروان "فغمزه وأخذه من بين يدي شيخه فأبلغه الرسالة وحكّمه وألبسه لباس الصوفية، فعاد إلى شيخه وهو كذلك فغضب عليه شيخه وزجره وظل مقاطعاً له حتى مات "رحمه الله "، ثم ذهب إلى قيدون فلقي الشيخ "سعيد بن عيسى العمودي" المتوفى سنة (671 هـ) فحكّمه كذلك وأدخله في عداد الصوفية،ولقي في دوعن كذلك " باعمر " صاحب عُورَة وألحقه بالجماعة، ثم توجه إلى ميفعة ولقي الشيخ عبدالله باحمران فحكّمه كذلك وألحقه بهم، واستقر في ميفعة حتى مات، وعند موته قسم تركته بين تلاميذه وأشار إليهم بأن هناك علامة على من يكون شيخهم وهو أن يقع من نصيبه السبحة فوقعت من نصيب الفقيه المقدم، وبذلك أصبح شيخ صوفية حضرموت وشيخ الطريقة المدينية بها، وعند وفاته نصّب زوجته أم المساكين في منصب شيخ الصوفية بحضرموت [15].

3) الطريقة الرفاعية : المنسوبة إلى أحمد بن علي الرفاعي المتوفى (578هـ)، وقد دخلت اليمن على يد عمر بن عبدالرحمن بن حسان القدسي المتوفى سنة (688هـ) وكان الشيخ قد أدرك أحد أحفاد الشيخ أحمد الرفاعي وهو نجم الدين الأخضر،فأخذ عنه الخرقة الرفاعية، وتربى بين يديه تربية صوفية، فلما استكمل الشيخ تعليمه أمره أن يدخل اليمن وينشر الخرقة الرفاعية هنالك، وفي اليمن اجتمع القدسي ببعض من صوفيتها أمثال الشيخ عمر بن سعيد الهمداني وغيره، ويقول الشرجي: أنه (تنقل بعد ذلك إلى عدة أماكن في اليمن وابتنى عدة ربط بعد أن شهر الخرقة الرفاعية، وانتشرت عنه انتشاراً كلياً لاسيما في مخلاف جعفر) [16].

4) الطريقة الشاذلية: نسبة إلى الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الله الشاذلي المتوفى سنة (656هـ)، وقد انتقلتْ هذه الطريقة إلى اليمن على يد الشيخ علي بن عمر بن دعسين الشاذلي الذي كان من أوائل المؤسسين في اليمن [17].

5) الطريقة السهروردية: نسبة إلى الشيخ عمر بن محمد السهروردي المتوفى سنة (631هـ) ذكرها العيدروس في الجزء اللطيف وذكر أن من أتباعها في اليمن إسماعيل الجبرتي والعلوي [18].

الطرق المحلية : أهم الطرق المحلية التي نشأت في هذا القرن:

1) الطريقة العلوية : المنسوبة إلى الفقيه محمد بن علي باعلوي المشهور بالفقيه المقدم الذي سبق ذكره آنفاً في الطريقة المدينية.

2) الطريقة الأهدلية: نسبة إلى الشيخ علي بن عمر الأهدل المتوفى سنة نيف وستمائة، وهو أخذها في الأصل عن رجل من أصحاب الشيخ عبدالقادر الجيلاني يسمى الأحوري وقد (كثر أصحابه وأتباعه وتخرج به جماعة ممن شهر، وذكر منهم الشيخ أبو الغيث بن جميل وأحمد بن أبي الجعد) [19].

3) الطريقة العلوانية: نسبة إلى الشيخ أحمد بن علوان صاحب يَفْرس [20].

السماع الصوفي :

وفي هذا القرن " السابع " فشى وانتشر السماع الصوفي، وهو إنشاد الأشعار في المساجد ومواطن العبادة بقصد التقرب إلى الله تعالى، واعتبار ذلك من ضمن الوسائل التي تقرب إليه وتزكِّي النفس وتسمو بالروح، سواء حصل معها عزف بالمعازف المعروفة كالدفّ والشبَّابة ونحوها أو لم يحصل، وفي كثير من الأحيان يصحب ذلك رقص وتمايل وطرب زائد، وربما وصل إلى السكر والإغماء وفقدان الشعور، وكل ذلك تُعطى له المسوّغات، ويُؤصل له بما يظهره وكأنه من أعظم القرب وأفضل الشعائر في العرف الصوفي، وكان من روّاده في هذا القرن، الشيخ أبو الغيث بن جميل، والشيخ أحمد ابن علوان،والشيخ محمد بن أبي بكر العواجي، والشيخ محمد بن عيسى الزيلعي [21]، والشيخ سفيان الأبيني وغيرهم [22] وسيأتي مزيد من الحديث عن السماع في الباب الثاني إن شاء الله.

الشطح الصوفي :

تعريف الشطح: عرَّفه المناوي بقوله: ( كلام يعبِّر عنه اللسان مقرون بالدعوى، ولا يرتضيه أهل الطريق من قائله وإن كان محقاً) [23]، وفي قوله لا يرتضيه أهل الطريق نظر؛ لأن الواقع أن أعظم من يعتبرهم الصوفية أهل الطريقة أو أهل الحقيقة هم أهل الشطح بل المبالغون فيه، بل في كثير من الأحيان نجد أعظمهم شطحاً أرفعهم رتبة، ثم كيف لا يرتضونه وهم ينقلونه عن أولئك الشاطحين باعتباره من جواهر كلامهم ودرر ألفاظهم وخوارق كراماتهم، بل ربما أثبتوا به بعض ما يقررون من القضايا 0
لاشكَّ أنهم يرتضونه وإنما يتظاهرون أمام الآخرين بعدم ارتضائه أو بتأويله.
وكذلك قوله (وإن كان محقاً) الغالب في الدعاوى والشطح ألا يكون محقاً، ومن تتبع تلك الشطحات عرف ذلك، والحق في هذه القضية أن أقصى ما يمكن فعله هو التماس العذر للشاطح بأنه قال ذلك في حال سُكْر وغيبـوبة، ومن كان هذا شأنه فإنه جدير أن يدرج في طبقات المجانين لا في طبقات الأولياء.
وقد نُقِل شطح كثير عن صوفية هذا القرن كان كالمدخل لأصحاب الدعاوى والباحثين عن الشهرة والمنزلة عند عوام الناس، يتوسعون فيه ما شاء لهم هواهم واستخفافهم بحدود الشرع وعظمة الحق وعقول الخلق.
ومن الصوفية الذين سجّلوا السبق في الشطح من أهل هذا القرن أحمد بن علوان، وأبو الغيث بن جميل في قصتهما الشهيرة ومفاخرتهما التي ساقها معظم من ترجمَ لهما وقد سبق ذكرها.[24] والفقيه المقدم محمد بن علي باعلوي وهو من أعظمهم في ذلك [25]. والشيخ أحمد بن أبي الجعد الأبيني.[26]

انتشار التصوف في عموم اليمـن:

وفي هذا القرن انتشر التصوف في عموم مناطق اليمن، وظهر في كل منطقة قطب من أقطابهم الذين لا يزال تأثيرهم وتعلق الناس بهم قائماً إلى اليوم، وأكثر المناطق قبولاً للتصوف في هذه الفترة تهامة، فقد ظهر في شمالها صاحبا عواجه محمد بن حسين البجلي (621 هـ) [27]، ومحمد بن أبي بكر الحكمي (617هـ) [28] وفي المراوعة ظهر علي بن عمر الأهدل (نيف وستمائة) [29] وفي بيت عطاء أبو الغيث بن جميل (651 هـ) [30]، وفي بيت الفقيه أحمد بن موسى بن عجيل (696) [31]، وفي التريبة قرب زبيد عيسى بن إقبال الهتار (606هـ) [32]، فهؤلاء ستة من كبار الصوفية كلهم من تهامة، وفي محافظة تعز أحمد بن علوان (655 هـ) [33]، وفي لحج سفيان بن عبدالله الأبيني (وفاته القرن السابع) [34]،وفي أبين أحمد بن أبي الجعد الأبيني (690 هـ) [35]، وفي عدن جوهر بن عبدالله الصوفي سنة(616هـ) [36]، وفي محافظة شبوة محمد بن عبدالله بامعبد كان حياً سنة (680هـ) [37]، وفي حضرموت –دوعن- سعيد بن عيسى العمودي (671) [38] وفي تريم الفقيه المقدم محمد بن علي باعلوي (653هـ) [39]، ورغم عدم الاستقصاء فإنك ترى أن معظم ديار الشافعية في اليمن قد عمَّها التصوف في هذا القرن.

أثر الدولة الرسوليَّة في ترسيخ التصوف وتقويته في اليمن:

في هذا القرن كانت الدولة الرسولية في أوج قوتها وعنفوان شبابها، وكان سلاطينها يدينون بالولاء التام للصوفية؛لأن الصوفية قد اتخذوا عندهم أيادي جليلة، من أهمها بشاراتهم بالملك واستمراره في أعقابهم،فجدهم عمر بن علي بن رسول بشَّرَه جماعة من الصوفية بالملك وقوَّوا عزمه عليه [40]. وكذلك بشَّرَ إبراهيمُ الفشلي الملكَ المظفر باستمرار الملك في ذريته حينما نازعه إخوانه على ذلك [41]. وبهذا حصل الاعتقاد التام في الصوفية لدى ملوك وأمراء بل وساء قصور بني رسول، وبذلك مكَّنَتْ الدولة الرسولية للصوفية تمكيناً تاما ً، فما من اعتراض من الفقهاء على الصوفية إلاَّ ويقمعه ملوك بني رسول، وما من انحراف يحدثه الصوفية إلا ويتأوّلونه لهم، وانظر على سبيل المثال قصة النزاع بين الفقهاء وبين أصحاب وحدة الوجود،والتي شرحَها وبيَّنَ مراحلها وأحداثها الأستاذ عبدالله الحبشي في كتابه " الصوفية والفقهاء في اليمن " [42].
هكذا تكامل نشر الصوفية ورسخت جذورها بل وبسقتْ وتمتْ فروعهاوآتتْ ثمارها في هذا القرن، وواصلت التطور والتوسع في القرون اللاحقة [43].

قبورية الصوفية:

سبق الحديث عن نشأة المشاهد وبناء المساجد على القبور في اليمن، وأنها كانت على يد الدولة الصليحية الباطنية، وعلى أيدي السلاطين وبالأخص الأيوبيين والرسوليين ومن جاء بعدهم ومن عاصرهم من أئمة الزيدية، ولم يسجل في ذلك الوقت مشاهد خاصة بالصوفية، ومما يؤكد أنه لم يكن للصوفية مشاهد وقبور شهيرة - يقصدها الناس للتبرك بها وعَمَلِ ما يعمله الصوفية المتأخرون عند قبور أوليائهم - خلوُّ طبقاتِ فقهاء اليمن للجعدي من ذلك تقريباً، وقد كان فراغه منه في آخر القرن السادس في عام (586هـ) [44]، بينما نجد البهاء الجندي قد شحن كتابه السلوك بذلك، وأكثَرَ من ذكر القبور التي تزار ويتبرك بها [45]، وإن لم يذكر أن عليها مشاهد إلا نادراً [46]، حتى أن القاضي الأكوع في مقدمته للسلوك تبرَّم من ذلك، وأنكرَه وسجَّل كلمة قيمة وملاحظة طيبة عليه.

بداية الزيارات الحولية:

وفي تراجم رجال هذا القرن تُطالِعُك الزيارات الحولية وغير الحولية للقبور وبعض الأماكن الأخرى، ففي ترجمة محمد بن ظفر الشميري قال الجندي: (وبلغتُ تربته قاصداً زيارته،وأقمت عندها أياماً، وهو بمسجد وإلى جنبه امرأته، وببركته مازالت قريته محترمة ما قصدها أحد بسوء إلا خذله الله، ولم أجد بتلك الناحية مزاراً أكثر من تربته قصداً للزيارة وقضاء الحوائج التي تطلب من الله، وكثرة النذور لها، وفي ليلة الرغائب من رجب يجتمع عندها خلق ناشر) [47].
كما يطالعك في هذا القرن بدايةُ اتخاذ اجتماعٍ موسميٍّ لزيارة قبر نبي الله هود على يد الشيخ عبد الله باعباد المعروف بـ" القديم " وذلك بعد جذاذ النخل وتعبئة التمر، وليس على الأشهر القمرية [48]0
وذكر اليافعي قصة زيارة الشيخ أحمد بن أبي الجعد وأصحابه والشيخ سعيد بن عيسى العمودي وأصحابه لقبر نبي الله هود u وما جرى بينهما مما سيأتي في الباب الثاني [49]، كما ذكر زيارة الكثيب الأبيض بأبين، ويقال في ذلك المكان قبور بعض الصالحين، وهو كثيب يزوره أهل تلك البلاد وما حولها من البلدان في كل سنة في وقت معلوم في رجب [50]، وفيه ذكر مؤرخو حضرموت أن الفقيه المقدم محمد بن علي باعلوي كان يزور قبر نبي الله هود [51].

وهكذا في هذا القرن تكاملت فصول الصوفية وظهر معظم مقوماتها وعرف أبرز رجالها ثم فشت وترسخت أكثر وأكثر حتى يومنا هذا.

=======================
[1] أدوار التاريخ الحضرمي ص( 162- 163 ) .
[2] طبقات الخواص ص( 150-151 ) .
[3]الصوفية والفقهاء في اليمن ص( 12 ) تأليف عبدالله بن محمد الحبشي توزيع مكتبة الجيل الجديد صنعاء (1396-1976).
[4] طبقات الخواص ص ( 64-69 ) .
[5] المصدر السابق .
[6] قال القاضي إسماعيل الأكوع في كتابه المدارس الإسلامية في اليمن طبع مؤسسة الرسالة بيروت مكتبة الجيل الجديد صنعاء ط الثانية (1406هـ-1986م ) ص( 83- 84 ): ( لم نعرف اسم المقدسي كاملاً ولا تاريخ قدومه إلى اليمن ولا تاريخ ولادته ووفاته ومكانهما فيما بين أيدينا من المراجع ، ولعل ذلك الإهمال كان مقصوداً من المؤرخين نكاية به وتجاهلاً لعلمه ومعرفته لعلم المنطق ) ،قلت: ليس علمه علم منطق ولكنه الفلسفة الإلحادية .
[7] السلوك ( 2/111- 113 ) .
[8] كشف الغطاء عن حقائق التوحيد وعقائد الموحدين وذكر الأئمة الأشعريين ومن خالفهم من المبتدعة وبيان حال ابن عربي وأتباعه المارقين ص(217) للعلامة الحسين بن عبدالرحمن الأهدل طبع تونس .( 1964م ) .
[9] أنكر العلامة الأهدل أن يكون هذا الكتاب للشيخ أبي الغيث وذلك لأنه أمي ، ولكن السيد عبدالله الحبشي رد عليه في ذلك وأثبت أن الكتاب تأليف ابن جميل. انظر : الصوفية والفقهاء ( ص71 – 72 ) .
[10] الصوفية والفقهاء ص( 72 ).
[11] طبقات الخواص ص ( 409 _ 410 ) .
[12] الصوفية والفقهاء ص (73)
[13] طبقات الخواص ص ( 72 – 74 ) .
[14] الطبقات الخواص ص ( 380 – 381 ) .
[15] انظر : قصة إرسال أبي مدين إلى حضرموت في( الجوهر الشفاف في ذكر فضائل ومناقب وكرامات السادة الأشراف) تأليف عبد الرحمن الخطيب الأنصاري وهو مخطوط ، ولدي نسخة مصورة منه ( 1/81- 82 ) في الحكاية السابعة والعشرين وفي المشرع الروي ( 2/ 4-5 ) ،وحتى لا يظن أحدٌ أنني بالغت في تعبيري أو طعنت في ( عبد الله الصالح المغربي – ومرسله أبي مدين – أو في الفقيه المقدم ) ، أسوق قصتهم بحروفها من الجوهر الشفاف لعبدالرحمن الخطيب حيث قال : ( الحكاية السابعة والعشرون: روى المشايخ y أنه قيل لشيخ شيوخنا الشيخ الفقيه محمد بن علي y :إنه لا يفك قفل قلبك إلا الشيخ عبدالرحمن المقعد ،وكان الشيخ عبدالرحمن المقعد y إذ ذاك بمكة -حرسها الله تعالى- فسار الفقيه شيخ شيوخنا = = قاصداً نحوه ، فلما بلغ أثناء الطريق أخبر بوفاته فرجع إلى بلده ،وكان الشيخ عبدالرحمن المذكور t من كبار تلامذة الشيخ الكبير خاص الخواص أبي مدين y ، وكان شيخه أبو مدين y قد أمره بالسفر إلى حضرموت ، وقال له: إن لنا فيها أصحاب سر إليهم وخذ عليهم عقد الحكم ولبس الخرقة أو كما قال ، و قال له : ولكنك لاتصل إليهم بل تموت في أثناء الطريق ونرسل إليهم من يأخذ عليهم ذاك ، فسار الشيخ عبدالرحمن طالباً حضرموت ، فلما بلغ في أثناء الطريق حضرته الوفاة فأحضر تلميذه الشيخ الكبير العارف بالله تعالى عبدالله الصالح المغربي - و كان من أولاد ملوك المغرب فآثر سلوك هذه الطريقة ففتح له وكان من كبار تلامذته ولهما الكرامات الخارقة والإشارات المفيدة الفائقة - وأمره بالمسير إلى حضرموت وقال له ما قال له الشيخ أبو مدين y ، وفي رواية أنه قال له أيضاً : اذهب إلى حضرموت تجد فيها الفقيه محمد بن علي أبو علوي عند الفقيه علي بن أحمد أبي مروان يستقي يعني يأخذ منه العلم ، طارح سلاحه فوق رجليه ، فاغمزْه من عند الفقيه وحكّمْه، واذهبْ إلى قيدون تجدْ فيها الشيخ سعيد بن عيسى فحكّمْه ، قال الشيخ عبدالله : فلما وصلت إلى تريم وجدت الفقيه محمد بن علي كما قال الشيخ عبدالرحمن فغمزته وحكّمته - و ما شاور أبا مروان - فلما رجع إليه وفي رأسه الخرقة اغتاظ عليه وقال له : رجوناك إماماً مثل ابن فورك فتركت صحبتنا ورجعت إلى زي الصوفية أو كما قال ، فقال له الفقيه محمد بن علي t : : = الفقر خير 0وهجره أبو مروان إلى أن توفي وستأتي حكايتهما في ذلك إن شاء الله تعالى ، فسار الشيخ عبدالله فلما وصل إلى حضرموت اجتمع بشيخ شيوخنا الفقيه محمد بن علي y وقال له الشيخ عبدالله : أي لؤلؤة عجماء لو ثقبت ، فقال الشيخ محمد ، وما الثقب قال :التحكيم ، فانخلع الشيخ محمد عما هو عليه من زي الفقهاء وترك صحبتهم ،وتحكم للشيخ عبدالله ولبس منه الخرقة ، وأقبل على الله تعالى في السر والعلانية ورغب في صحبة الصوفية ، قالوا ودعا لذريته عند ذلك بثلاث دعوات ( الأولى ) بذل النفوس ولا يعودون إلى العمومية أي لا يزالون على زي الفقراء ( الثانية ) أن لا يسلط الله تعالى عليهم ظالماً يؤذيهم ( الثالثة ) أن لا يموت أحد منهم إلا وهو مستور في دنياه - أي لا تكون به حاجة تضر بدينه - قالوا : فقبلهن الله تعالى ، فما يموت أحد منهم إلا وهو بتلك الصفة ، ولم يسلط الله تعالى عليهم بعد ذلك ظالماً أبداً ببركة دعوة الشيخ لهم t ) . الجوهر الشفاف (1/81-83 ).
وكذلك قال الشلي في المشرع : ( فلما رآه شيخه علي بامروان تغير عما كان قال له: أذهبْتَ نورك وقد رجونا أن تكون كابن فورك واخترتَ طريق التصوف والفقر وقد كنت على المقدار والقدر ، فقال الأستاذ : الفقر فخري وبه أفتخر ، وبه على النفس والشيطان أنتصر ، ولا أتباعد عنكم إعراضاً ، ولا تبدلت بكم معتاضاً 0 وهجره الفقيه وظن أن يفيد فيه الهجر ، ورأى أنه أعظم من الزجر ، واستمر مهاجراً له إلى أن مات0 ) المشرع الروي ( 1 /2- 5 ) ، وفي هجر الإمام بامروان للفقيه المقدم دليل على أن أهل حضرموت كانوا على منهج الكتاب والسنة ، وأنهم لم يعرفوا ذلك الانحراف الصوفي إلى أن قدم ذلك المغربي بالتصوف وأخذه عنه الفقيه المقدم ، ولكن منذ ذلك التاريخ استفحل الشر وانحرف الأكثر بتأثير ذلك الفقيه وأتباعه من أبنائه وفقرائه واللائذين بهم ممن ينسبون إلى الفقه والعلم ، بعد أن ضعف الفقه وقل العلم ، ومازال التصوف يفشو والعلم ينقص حتى أظلم الكون ، وعم الانحراف ، وظهرت الدعاوى والرسوم ، وزالت الحقائق ، وأصبح من النادر وجود فقيه متضلع مدرك للأدلة ومذاهب العلماء قادر على الترجيح والاختيار ، أما علم التفسير والحديث فلم يبق لهما أثر ، وسيأتي في الباب الثاني مزيد بيان لهذه القضية .
[16] طبقات الخواص ص ( 245 ) والصوفية والفقهاء ص ( 36 ) 0
[17]انظر الصوفية والفقهاء ص ( 35 )
[18]انظر الجزء اللطيف ص ( 23 ) ضمن المجموعة العيدروسية .
[19] طبقات الخواص ص( 195 – 198 ) .
[20] مقدمة كتاب الفتوح للشيخ أحمد بن علوان تحقيق عبد العزيز سلطان طاهر المنصوب طبع دار الفكر المعاصر ط الأولى (1416هـ - 1995م ) بيروت لبنان .
[21] الصوفية والفقهاء ص (32) .
[22] طبقات الخواص ص( 147 ) .
[23] التوقيف على مهمات التعاريف ص ( 429 _ 430 )
[24] انظر (ص 222 ).
[25] انظر بعضاً من شطحه في : الجوهر الشفاف ( 1/ 35 ) وما بعدها والغرر ص ( 147 ) والمشرع (2/9 ) .
[26] مرآة الجنان (4/ 349 – 350 ) .
[27]انظر ترجمته في طبقات الخواص ص ( 267 ) .
[28] انظر ترجمته في المصدر السابق ص ( 264 ) .
[29]انظر ترجمته في المصدر السابق ص ( 195 ) .
[30]انظر ترجمته في المصدر السابق ص ( 406 ) .
[31]انظر ترجمته في المصدر السابق ص ( 75 ) ، ومرآة الجنان ( 4/395 ) .
[32]انظر ترجمته في المصدر السابق ص ( 249 ) ، و ومرآة الجنان ( 4/458 )
[33]انظر ترجمته في المصدر السابق ص (69 ) ، ومرآة الجنان ( 4/357 )
[34]انظر ترجمته في المصدر السابق ص (146 ) ، ومرآة الجنان ( 4/348 ) .
[35]انظر ترجمته في المصدر السابق ص ( 72 ) ، ومرآة الجنان ( 4/371 ) .
[36]انظر ترجمته في المصدر السابق ص ( 120 ) ومرآة الجنان ( 4/347 ) .
[37] إدام القوت أو معجم بلدان حضرموت للسيد عبدا لرحمن بن عبيد الله السقاف منشور في مجلة العرب العدد (15) .
[38]القول المختار فيما لآل العمودي من الأخبار جمعَه عبدالله أحمد الناخبي مخطوط مصور لديَّ .
[39] الغرر ص ( 145 ) وما بعدها والمشرع ( 2/2 ) وما بعدها .
[40] انظر العقود اللؤلؤية ( 1/ 52 ) .
[41]الصوفية والفقهاء ص ( 47 ) .
[42]المصدر السابق من ص ( 85 ) إلى آخر الكتاب .
[43] انظر الفصل الرابع عشر من كتاب " التصوف في تهامة " ص ( 117 ) وما بعدها تأليف محمد بن أحمد العقيلي ، الطبعة الثانية بدون تاريخ ولا دار طبع .
[44] مقدمة الكتاب ص ( ل ) .
[45] انظر الجزء الأول الصفحات ( 356 ) و ( 392 و 393 ) و ( 423 ) و ( 455 ) و ( 462 ) ، والجزء الثاني ( 60 و 61 ) و ( 62 ) , ( 65 ) و ( 82 ) و ( 117 ) , ( 182 ) و ( 183 ) و ( 188 ) و ( 230 ) و ( 234 ) و ( 242 ) و ( 261 ) و ( 447 ) و ( 457 ) و ( 458 ) .
[46] انظر : أمثلة ممن أقيم عليه مشهد أو فيه تابوت أو بني على قبره مسجد أو دفن في مسجد في الجزء الثاني ص (263 ) و ( 426 ) و ( 485 ) .
[47]السلوك (2/263) و الرغائب : هي الصلاة المبتدعة التي تُصلى في ليلة أول خميس من شهر رجب ، وقوله" خلق ناشر " أي كثير.
[48] انظر : تاريخ حضرموت (1/69) 0
[49] انظر ص ( 237 ).
[50] مرآة الجنان ( 4/ 352-354 ) .
[51] انظر : الفرائد في قيد الأوابد للعلامة عبد الله بن حسن بلفقيه ص ( 25 ) .

---
---
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
..!!, للشيخ, أحمد, المعلم, اليمن, الصوفية, القبورية, ودورها, وسلب

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
للتحميل كتاب القبورية - اليمن نموذجا للشيخ أحمد المعلم أبو معاذ السلفي المكتبـــــــــة المقـــــــــروءة 5 12-22-2013 12:52 PM
حمل محاضرة مشاهداتي في شعب هود للشيخ أحمد المعلم أبو معاذ السلفي صـــــــوفية حضـــــرمــــوت 2 07-01-2012 02:41 AM
بشرى ساره //النسخة الرسمية لبحث ( حقيقة الجفري وطريقته الصوفية ) للشيخ أحمد المعلم باخريصة المكتبـــــــــة المقـــــــــروءة 1 01-01-2010 07:40 PM




حياكم الله في شبكة صوفية حضرموت
جميع المشاركات المكتوبة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولاتعتبر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر الإدارة
شارك بالتعريف بالشبكة في المواقع الاجتماعية
Powered by vBulletin® Version 3.8.4, Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd